مقابلة الحص: الكويت والعرب يمنعون انهيار لبنان
‏ أشاد بالدور الكويتي تاريخاً وحاضراً

مقدمة:‏
‏ في حديثه عن الكويت تختلط مشاعر الرئيس الدكتور سليم الحص وتتزاحم في التعبير عن ‏حب اللبنانيين لهذا البلد. يبدأ الحديث من موقعه كسياسي بارز على الساحة اللبنانية مستعيداً من ‏التاريخ القريب دور الكويت في انهاء الحرب اللبنانية ومساعدتها لاعادة اعمار بلد الأرز. ثم ‏ينتقل من دون رتوش الى سرد تجربته الشخصية كمواطن عربي مع الدولة الشقيقة فيروي قصة ‏سفره اليها بهدف العمل وادّخار المال مثله مثل الآلاف ومئات الآلاف من اللبنانيين، ثم يعود ‏بالذاكرة الى العام 1990، سنة الغدر الصدامي بالدولة الوادعة والشعب الطيب، عندما كان رئيساً ‏للوزراء ووزيراً للخارجية، فتضيع الحدود بين الحص ـ المسؤول والحص ـ الانسان، فيقول: ‏‏"شعرت بجرح عميق في قلبي لما أصاب الكويت وأهلها. الكويت لا تستحق هذا الغدر وهذا ‏العدوان".‏
‏ ‏
‏ ولا ينسى الرئيس الحص الحاضر فيؤكد حاسماً جازماً ان الكويت اليوم الى جانب شقيقات ‏عربيات تساهم في منع انهيار لبنان اقتصادياً.‏
‏ ‏
هكذا هو سليم الحص ضمير لبنان. عفوي متواضع الى أبعد الحدود. الحديث معه يجمع الفائدة مع ‏المتعة. صادق يتكلم في السياسة والاقتصاد والمجتمع، من موقع العلم والخبرة، بلا رقيب، يسمي ‏الاشياء باسمائها، فيقدم بسلوكه النموذج لما يجب أن يكون عليه السياسي في بلادنا، وهو الذي ‏اعتزل السياسة بمفهومها المنفعي والمصلحي.‏

‏ "كويت انفو" التقت الرئيس الحص وأجرت معه هذا الحوار.‏

‏/ علاقات ممتازة‏
" ما هو تقويمك للعلاقات اللبنانية ـ الكويتية ؟
ـ هي علاقات ممتازة وفي أحسن حالاتها. كانت وما زالت ذلك. نحن لم نر من الكويت الا ‏الايجابية وخصوصاً خلال الازمة الوطنية الكبرى التي عصفت بلبنان ابتداء من العام 1975 ‏حتى العام 1990، كانت هناك مبادرات عربية كثيرة لانقاذ لبنان من محنته، وكانت الكويت ‏تلعب دوماً دوراً طليعاً في هذه المبادرات. وعندما شكلت لجان متابعة عربية لحل الازمة ‏اللبنانية شاركت الكويت بفعالية فيها كلها. وفي مؤتمرات القمة العربية التي عقدت دعماً للبنان ‏كان صوت الكويت عالياً لمصلحة بلدنا.‏
‏ وعلى الصعيد الاقتصادي قدمت الكويت مساعدات كثيرة عن طريق الصندوق الكويتي ‏للتنمية الاقتصادية العربية، وعن طريق الصندوق العربي، بالاضافة الى المساعدات المباشرة ‏من دولة الكويت. وكلها ساهمت في اعادة اعمار لبنان بعد الحرب. ‏

‏/ تجربة شخصية
" نعلم أن لكم تجربة خاصة مع دولة الكويت، هل تطلعنا على وقائعها ؟
ـ بالفعل. في الستينات من القرن الماضي كنت استاذاً في الجامعة الاميركية في بيروت. ‏وطلبت اجازة غير مدفوعة من الجامعة لأمضيها في الكويت خبيراً مالياً في الصندوق ‏الكويتي للتنمية. قضيت تلك السنة وأعجبني العمل، كما أعجبتني الكويت، فطلبت تمديد ‏الاجازة سنة أخرى. وهكذا أمضيت سنتين وثلاثة أشهر، تخللتها ثلاثة فصول صيف حارة، ‏ولكنني لم أشعر بالضيق لا من الطقس ولا من الغربة.‏
‏ كانت تلك الفترة تأسيسية للصندوق وكان يتولى ادارته عبد اللطيف الحمد والذين أبيت ‏جدارته وهو اليوم مدير الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي. وكان رئيس ‏مجلس أمناء الصندوق الكويتي آنذاك سمو الامير الراحل الشيخ جابر الاحمد رحمه الله، وكان ‏أيضاً وزيراً للمالية. وقد تعرفت اليه والتقيته بصفتي خبيراً في الصندوق الذي يرأسه رحمه ‏الله.‏
‏ كانت تجربة عزيزة في حياتي تلك التي خضتها في الكويت، وكانت أول فرصة في ‏حياتي لأدّخر مالاً من عملي الخاص، واستطعت شراء الارض التي بنيت عليها منزلي في ‏الدوحة لاحقاً بعد حصولي على قرض من مصرف لبنان حيث انتقلت للعمل.‏
‏ اذاً على المستوى السياسي العام أو على المستوى الشخصي الخاص للكويت مكانة ‏خاصة في قلبي.‏

‏/ دعم لبنان
" ذكرت ان الكويت قدمت الكثير للبنان، بالمقابل ماذا قدّم لبنان للكويت ؟
ـ لم يقصر لبنان في دعم الكويت سياسياً. هذا البلد لا يمكن اية امكانات دعم أخرى اللهم الا ‏مساهمة ابنائه المهاجرين في نهضة وعمران الكويت على مختلف المستويات.‏
‏ وبالنسبة للدعم السياسي، كنت رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية في العام 1990، ويوم ‏الغزو الغادر كنت أشارك في اجتماع لوزراء الخارجية العرب في القاهرة. دخل مرافقي ‏وأبلغني نبأ الهجوم الصدامي على الكويت فأطلقت فوراً أول تصريح مندد ومستنكر للعدوان، ‏ولعله كان الموقف الاول عربياً وعالمياً.‏
‏ شعرت بجرح عميق عندما سمعت النبأ، فانا في المبدأ لا أؤمن بهذا الاسلوب في العمل ‏السياسي، كما انني كنت أضن بالكويت وهي عزيزة على قلبي كمواطن وكمسؤول سياسي. لا ‏تستحق الكويت هذا الغدر وهذا العدوان. بعد ذلك وقفت ووقف لبنان الى جانب كل التحركات ‏الداعمة للكويت وتحريرها في كل المحافل العربية والدولية.‏
‏ أما هنا في لبنان فقد عملنا كمسؤولين لبنانيين على معالجة أوضاع الكويتيين الذين كانوا ‏في بلدنا وظلوا فيه حتى نهاية المحنة. وكان هذا أقل الواجب والعرفان بالجميل تجاه الكويت ‏وأهلها الطيبين. ‏

‏/ تشابه واختلاف
" كيف ترى الشبه بين البلدين ؟ وأين الفرادة في كل من لبنان والكويت ؟‏
ـ لا شك أن أوجه الشبه كثيرة على مستوى النظام السياسي والاجتماعي وكذلك على مستوى ‏المزاج، لأن للشعبين اللبناني والكويتي مزاج مشترك في حب الديمقراطية والحرية.‏
‏ أما الاختلافات فهي اختلافات طبيعية بالدرجة الاولى من جهة المناخ وطبيعة الحياة ‏هناك أو لناحية الثروة الكبيرة في الكويت، أما لبنان فيتميز في موقعه ومناخه وتقديم نفسه ‏على انه بلد سياحي في ظل قلة موارده الطبيعية الاخرى.‏
‏ يتشابه البلدان في التجربة السياسية الرائدة في الديمقراطية بالنسبة لمحيط كل منهما، ‏الحياة البرلمانية وحرية الصحافة، بالاضافة الى حيوية ونشاط القطاع المصرفي في البلدين ‏مع فرق اساسي هو انه في الكويت قائم على الامكانات الكويتية الذاتية في حين انه في لبنان ‏يعتمد على الودائع الخارجية وفي مقدمها الواردة من الكويت.‏

‏/ اقتصاد لبنان
" كيف تؤثر العلاقات اللبنانية ـ الكويتية الممتازة كما وصفتها على استقرار ودعم لبنان ؟
ـ لبنان منفتح على الكويت كما على العرب جميعاً. وهذا ما أنقذه من انهيار محتم بسبب ‏النزاعات المحتدمة في لبنان وما أدت اليه من ازمة اقتصادية خانقة. ثلاثة عوامل تمنع انهيار ‏لبنان اثنان منهما عربيان، وللكويت اسهام كبير فيهما. العامل الاول هو ارتفاع اسعار النفط ‏الذي أنتج فائضاً مالياً كبيراً لدى الدول النفطية، بدأ بالبحث عن منافذ للاستثمار في الخارج. ‏ووصل نذر يسير منها الى لبنان، ولكن على قلته غمر لبنان بفوائده. لذلك ترى انه على رغم ‏كل المؤشرات الاقتصادية السيئة: ارتفاع الدين العام، البطالة، الركود، النزاعات السياسية، ‏التي من شأنها كلها اسقاط الاقتصاد اللبناني، على العكس نرى ان المؤشرات الرقمية كلها ‏ايجابية: الودائع الخارجية في المصارف اللبنانية تزداد يومياً، وقد تجاوزت هذه الودائع 10 ‏مليار دولار اي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي اللبناني، بالاضافة الى ارتفاع أسعار سوليدير ‏والقيم العقارية عموماً ثلاثة أضعاف، وكذلك أسهم المصارف تزداد قيمة. ‏
‏ لذا اعتقد ان تدفق الاموال العربية وخصوصاً الكويتية عومت الاقتصاد اللبناني وحالت ‏دون انهياره، هذا هو العامل الاول، أما العامل الثاني فهو هجرة اللبنانيين التي تكثفت في ‏السنوات الاخيرة وخصوصاً الى الدول النفطية، مع ما تحمله من امكانات ارسال اموال الى ‏لبنان. فالشباب الذين لا يجدون فرص عمل في لبنان ينتقلون فوراً الى الخارج للعمل ويبدأون ‏بتحويل الاموال الى ذويهم. واليوم نجد أن الجالية اللبنانية في الكويت والدول العربية الاخرى ‏عادت لتبلغ أرقاماً كبيرة وهي تساهم بانعاش الاقتصاد اللبناني. اذ تقدر الاموال المرسلة الى ‏لبنان عن هذا الطريق بملياري دولار سنوياً اي ما يوازي عشرة في المئة من الدخل القومي ‏اللبناني. وهذا رقم كبير للغاية.‏
‏ اما العامل الثالث فهو المال السياسي الذي يصرفه بعض من في الداخل والخارج على ‏البعض في لبنان. وليس المجال هنا للتوسع في شرحه.‏
‏ اذاً العاملان الاساسيان في منع انهيار الاقتصادي اللبناني هما عاملان عربيان للكويت ‏حصة اساسية فيهما.‏

‏/ التنسيق... التنسيق
" ماذا يمكن للبنان أن يقدم أكثر لتعزيز العلاقات مع الكويت ؟ هل ينقص شيء ؟
ـ قلت ان العلاقات ممتازة. ولكن هذا لا يعني ان نقف عند هذا الحد. بالامكان تعزيز هذه ‏العلاقات بزيادة الاتصال والتشاور والتنسيق في كل شيء. زيادة التنسيق في اي مجال من ‏المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية الخ لا يمكن ان تأتي الا بالخير للبنان لأنه لا ‏يوجد الا الخير في الكويت وخصوصاً بالنسبة للبنان.‏

‏/ المبادرة العربية
" هل يمكن أن تلعب الكويت دوراً ما خاصاً أو في اطار عربي، لمساعدة لبنان في ازمته ‏السياسية الراهنة ؟
ـ اذا كنا بحاجة الى مبادرة عربية فبامكان الكويت أن تلعب دوراً طليعياً، هكذا كانت وهكذا ‏ستبقى، لأنها تستطيع أن تحرك الاشياء على مستوى القمة العربية أو غيرها. واعتقد اننا ‏بحاجة الى مبادرة عربية لترميم العلاقة مع سوريا. أما على الصعيد الداخلي فاعتقد ان العرب ‏لا يستطيعون التدخل ولا يرغبون بالتدخل طالما ان مؤتمر الحوار الوطني منعقد ويحاول ‏اللبنانيون فيه ان يجدوا حلولاً لمشاكلهم، وهذا أمر طبيعي. ولكن اذا تعثر مؤتمر الحوار ولم ‏ينجز جدول أعماله كاملاً، اعتقد ان المبادرة العربية ستصبح مطلوبة في هذا المجال أيضاً. ‏ولا أظن ان الاخوة العرب وخصوصاً الاشقاء في الكويت سيتأخرون في بذل اي جهد لتقريب ‏وجهات النظر. ‏

‏/ مكافحة الفساد
" في الاسابيع الماضية زار وفد اعلامي من وكالة الانباء الكويتية على مسؤولي الاعلام في ‏لبنان ودعاهم للمشاركة في مؤتمر يعقد في الكويت حول دور الاعلام في مكافحة الفساد. ‏بصفتكم رئيساً للمنظمة العربية لمكافحة الفساد كيف تقوم هذه الخطوة الكويتية، وهل من ‏دور للاعلام في مكافحة هذه الأفة ؟
ـ بالتأكيد انها مبادرة طيبة. وبالتأكيد أن للاعلام دوراً كبيراً في مكافحة الفساد. اعتقد ان ‏الفساد أصبح ممارسة يجب استئصالها عبر تحريك آليات المساءلة والمحاسبة على الصعد ‏السياسية والادارية وغيرها. ولكنه من جهة أخرى صار ظاهرة متأصلة في مجتمعاتنا، ولعله ‏أصبح ثقافة قائمة بذاتها، ويمكن للاسف الشديد التحدث عن ثقافة الفساد. ومكافحة ذلك تبدأ في ‏التربية داخل الاسرة وفي المدرسة والجامعة. والاهم من ذلك هو عدم الرضوخ لهذه الثقافة ‏وذلك بالتنديد والشجب والاستنكار الدائم لهذه الظاهرة في وسائل الاعلام في محاولة لانتاج ‏ثقافة مضادة لثقافة هذه الآفة. ‏

‏/ حضور فاعل
" ما رأيك بالحضور الكويتي في لبنان سياسياً واعلامياً وثقافياً ؟
ـ انه حضور فاعل للغاية ونحن على تواصل دائم مع السفارة التي نكن لاركانها كل احترام ‏وتقدير. كما اننا نشارك في مختلف النشاطات الثقافية والاعلامية التي تنظمها المكاتب التابعة ‏للسفارة لاسيما معارض الكتب والندوات. والواقع ان ممثلي الكويت في لبنان يعكسون ‏بنشاطهم الفاعل حب دولتهم وشعبهم لهذا البلد وشعبه، ونحن بدورنا نبادلهم هذا الشعور ‏الصادق.‏

بوكسات:‏
ـ مبادرات الكويت لانهاء الحرب اللبنانية لا تنسى ودعمها الاقتصادي اعاد اعمار لبنان.‏
ـ التقيت بالشيخ جابر الاحمد رحمه الله عندما عملت خبيراً في الصندوق الكويتي للتنمية ‏الاقتصادية العربية.‏
ـ شعرت بجرح عميق في قلبي يوم الغزو وكنت أول مسؤول عربي يندد بالعدوان الصدامي ‏على الكويت.‏
ـ لبنان والكويت يتشابهان في أمور ويختلفان في أخرى ولكن يجمعهما حب الديمقراطية ‏والحرية.‏
ـ الودائع الكويتية في لبنان والجالية اللبنانية في الكويت تساهم في تعويم الاقتصاد اللبناني.‏
ـ المطلوب المزيد من التنسيق بين البلدين، وأياً تكن مجالات التعاون فلن يأتي من الكويت ‏الا الخير للبنان.‏
ـ بامكان الكويت أن تلعب دوراً سياسياً محركاً على المستوى العربي لاطلاق مبادرة تساعد ‏اللبنانيين في ازمتهم الراهنة.‏
ـ ممثلو الكويت في لبنان يعكسون بنشاطهم الفاعل حب دولتهم وشعبهم لبلدنا ونحن نبادلهم ‏هذا الشعور الصادق.‏


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة السابقة

صفحة أحدث الأخبار