الكويت وتجربة الديموقراطية..؟

نهاد الغادري المنبر الحر رئيس تحرير صحيفة المحرر العربي
أتابع بإعجاب تجربة
الديموقراطية في الكويت وقدرتها على تجاوز المصاعب والتحديات
واجتراح الحلول لمجتمع كنا نفترض نحن أصحاب قضيتي الحرية والوحدة
ومعهما الإشتراكية أنه متخلف ولن يبقى ، فإذا به يتجاوز في
تقدمه وقدرته على البقاء كثيراً من التجارب الأخرى ؛ وبالرغم
من كل ما كنا نفترض أنه يشده إلى الخلف فإذا به مشدود إلى
الأمام ويمارس قدراً من الحرية ما زال مفقوداً عند الآخرين.
لا أعرف الكويت إلا مرة واحدة زرتها بدعوة في السبعينات من
الصديق خالد الحسن رحمه الله . يومها قال لي خالد : هذا البلد
صغير كبير . ضحكت وسألته ماذا يريد أن يقول تحديداً ، أجاب
: إنه صغير الحجم قليل عدد السكان ولكن تجربته السياسية ونضج
أسرته الحاكمة يتجاوزان حجمه الجغرافي وعدد سكانه مئات المرات
. انتهت الزيارة ولم ينجح خالد بإقناعي أن الكويت بلد يمكن
أن يتجاوز بتجربته حجمه.
خلال زيارة أخيرة لي لباريس التقيت صديقاً قديماً تولى مع
الرئيس ميتران مسؤولية ملفات الخليج . تحدثنا عن الكويت فقال
: لقد تجاوز هذا البلد الصغير في نضج تجربته الديموقراطية
بلداناً عريقة . وضرب مثلاً على ذلك مشكلة الخلافة التي أعقبت
وفاة أميرها الراحل . فقد نجحت أولاً باحترام الدستور وكان
ملاذها المقبول من طرفي الخلاف ، ثم جاء الوفاق العائلي ليمنح
الخلافة شرعيتَيها الدستورية والعائلية. حين عدت من باريس
قبل أيام كانت استقالة وزير الإعلام واختيار خلف له وما أحدث
من حراك سياسي ، من اختلاف واتفاق واستقالة أو استقالات ،
موضع حديث ومراقبة أجهزة غربية وأميركية . لاحظت أن أحداً
لم يقلق لمصير الكويت ، فقد نجحت في اجتياز امتحان الديموقراطية
حيث الخلاف والاختلاف أحد ناوين الحياة السياسية ومحركاتها
. وفي اتصال هاتفي مع واشنطن تحدثت مع صديق أميركي معني بشؤون
الخليج قال لي: إننا نراقب تجربة الديموقراطية في الكويت بإعجاب
حقاً . ففي كثير من البلدان العربية التي نفترض أنها أكثر
نضجاً أو أكبر أو أعرق ، تعجز عن حلول مشكلاتها بالقدر الذي
تستطيعه الكويت : هذا البلد الذي يعادل حجمه حجم تجربته فهو
كبير بها ممارسة : اتفاقاً واختلافاً ، لا بعدد سكانه أو حجمه
الجغرافي.
أضاف قائلاً: كنا نتحدث قبل أيام عن متاعبنا في العراق، وكنا
نحسب أن إسقاط نظام صدام سوف يجلب الخير للعراقيين فإذا بنا
نصاب بالخيبة. وحين نتذكر أن الإرادة الدولية والعربية قد
استخلصت منه الكويت نشعر أننا نجحنا هناك في البلد الصغير
وفشلنا هنا في البلد الكبير. لماذا..؟ أجاب : لأن النظام الكويتي
أثبت أنه بنظام الحرية والديموقراطية التي اختارها وتتفق وشروط
حياته قد حقق ما عجزنا عنه في العراق .. ربما لأن ديموقراطيته
إرادية وليست مفروضة. قلت : لا تنس أن شعب الكويت موحد في
حين أن شعب العراق مقسوم وممزق . قال لا ، بل لأن الكويت ذاقت
طعم الحرية ومارست ديموقراطية لم تفرض على شعبها ، أخذت منها
القدر الذي سمحت به شروط مجتمعها .. وأعتقد أنه حين دافع الكويتيون
عن وطنهم في وجه الإجتياح العراقي فقد دافعوا عن حريتهم تماماً
بقدر ما دافعوا عن أرضهم . إنك لا تستطيع أن تفصل المواطنة
عن الحرية وفي تجربة الكويت تحقق الامتزاج بين الأرض وشروط
الحياة عليها.
هل يعني هذا أن الكويت بلد محصن أو أنه بلد ذو تجربة تاريخية
عريقة..؟ أبداً. فتاريخ استقلال الكويت أحدث من تاريخ استقلال
كثير من البلدان العربية ولكن أسرتها الحاكمة ونخبها تمتعت
دوماً بالقدرة على المواءمة بين التاريخ والحاضر والمستقبل،
ونجحت في اجتياز تجربة الحرية بأقل المخاطر. أخذت من تجربة
الديموقراطية الغربية ما يتفق مع تقاليدها فعرّبته وكوتَنَتْه،
وها هي ذي اليوم مختبر حقيقي لتجربة رائدة . إنها دليل ينفي
ما يُرَوّج في الغرب من أن الديموقراطية نظام يصعب تطبيقه
في بلد إسلامي . إن تجربة الكويت تؤكد أن الديموقراطية والحرية
ممكنة في الصحراء وفي بلد إسلامي صغير وذي تقاليد، فكيف بالبلدان
العربية ذات التاريخ..؟
المكتب الاعلامي الكويتي -بيروت
